أبي الفرج الأصفهاني

132

الأغاني

فقال لي : هل لك في ثلاثين ألف دينار مسلَّمة لك ؟ قال : وكان شراء الجارية على أربعمائة دينار ، فلما وقع في أذني ذكر ثلاثين ألفا أرتج عليّ ولحقني زمع [ 1 ] ، وأشار عليّ صديقي الذي معه البيع ، وخفت واللَّه أن يحدث بالجارية حدث أو بي بالفضل بن يحيى ، فسلَّمتها وأخذت المال ؛ ثم بكَّرت على الفضل بن يحيى ، فإذا هو جالس وحده ؛ فلما نظر إليّ ضحك ، ثم قال لي : يا ضيّق الحوصلة [ 2 ] ! حرمت نفسك عشرين ألف دينار ؛ فقلت له : جعلت فداك ، دع ذا عنك ، فو اللَّه لقد دخلني شيء أعجز عن وصفه وخفت أن تحدث بي حادثة أو بالجارية أو بالمشتري أو بك ، أعاذك اللَّه من / كل سوء ، فبادرت بقبول الثلاثين ألف دينار ؛ فقال : لا ضير ، يا غلام جيء بالجارية ، فجاء بجاريتي بعينها ؛ فقال : خذها مباركا لك فيها ، فإنما أردنا منفعتك ولم نرد الجارية ؛ فلما نهضت [ 3 ] ، قال لي : مكانك ، إنّ صاحب إرمينية قد جاءنا فقضينا حوائجه ونفذنا كتبه ، وذكر أنه قد جاءنا بثلاثين ألف دينار يشتري لنا بها ما نحبّ ، فاعرض عليه جاريتك هذه ولا تنقصها من ثلاثين ألف دينار ؛ فانصرفت بالجارية وبكَّر إليّ رسول صاحب إرمينية ومعه صديق لي آخر ، فقاولني بالجارية ، فقلت : لست أنقصها من ثلاثين ألف دينار ؛ فقال لي : معي على الباب عشرون ألف دينار تأخذها مسلَّمة ، بارك اللَّه لك فيها ؛ فدخلني واللَّه مثل الذي دخلني في المرّة الأولى وخفت مثل خوفي الأوّل ، فسلَّمتها وأخذت المال ؛ وبكَّرت على الفضل بن يحيى فإذا هو وحده ؛ فلما رآني ضحك وضرب برجله الأرض وقال : ويحك ! حرمت نفسك عشرة آلاف دينار ؛ فقلت : أصلحك اللَّه ، خفت واللَّه ما خفت في المرّة الأولى ؛ قال : لا ضير ، أخرج يا غلام جاريته ؛ فجاء بجاريتي بعينها ، فقال : خذها ، ما أردناها ولا أردنا إلا منفعتك [ 4 ] ؛ فلما ولَّت الجارية صحت بها : ارجعي فرجعت ؛ فقلت : أشهدك ، جعلت فداك ، أنها حرّة لوجه اللَّه وأني قد تزوّجتها على عشرة آلاف درهم ، كسبت لي في يومين / خمسين ألف دينار ، فما جزاؤها إلا هذا ؛ فقال : وفّقت إن شاء اللَّه . سمع أحد الخمارين غناءه فبهت : أخبرني الحسن بن عليّ قال أخبرني عبد اللَّه بن أبي سعد قال حدّثني محمد بن عبد اللَّه بن مالك قال حدّثني إسحاق قال قال لي أبي : / كنت في شبابي ألازم أصحاب قطربلّ [ 5 ] وباري [ 6 ] وبنّى [ 7 ] وما أشبه هذه المنازل [ 8 ] ، فأتخذ فيهم الخمّار

--> [ 1 ] الزمع ( بالتحريك ) : شبه رعدة تأخذ الإنسان . [ 2 ] ضيق الحوصلة هنا كناية عن التسرّع وشدّة الحرص . وفي كتاب « ما يعوّل عليه في المضاف والمضاف إليه » أن ضيق الحوصلة يكنى به عن البخل . [ 3 ] كذا في ط ، ء . وفي سائر الأصول : « ذهبت لأقوم » . [ 4 ] كذا في ط ، ء . وفي سائر الأصول : « ما أردنا إلا منفعتك » . [ 5 ] قطربل ( بضم أوّله وإسكان ثانيه وضم الراء المهملة أو فتحها ، وتشديد الباء المضمومة ، ويروى بفتح أوّله وطائه ) : قرية بين بغداد وعكبرا تنسب إليها الخمر ، كانت متنزها للبطالين وحانة للخمارين وقد أكثر الشعراء من ذكرها . ( راجع « معجم البلدان » لياقوت و « معجم ما استعجم » للبكري ) . [ 6 ] باري ( بكسر الراء ) : قرية من أعمال كلواذي من نواحي بغداد ، كانت بها بساتين ومتنزهات ، يقصدها أهل البطالة . [ 7 ] بنى ( بكسر أوّله وتشديد ثانيه والقصر ) : قرية على شاطىء دجلة من نواحي بغداد بينهما نحو فرسخين ، وهي تحت كلواذي ، وكانت في بغداد قريتان تسميان بهذا الاسم . وإحداهما أراد أبو نواس حين قال : ما أبعد الرشد من قلب تضمنه قطر بل فقري بني فكلواذي ( انظر « معجم البلدان » لياقوت ) . [ 8 ] في ط ، ء : « المواخير » .